محمد بن جرير الطبري

82

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

واختلف في معنى قوله : إِلَّا وَجْهَهُ فقال بعضهم : معناه : كل شيء هالك إلا هو . وقال آخرون : معنى ذلك : إلا ما أريد به وجهه ، واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر : أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل وقوله : لَهُ الْحُكْمُ يقول : له الحكم بين خلقه دون غيره ، ليس لأحد غيره معه فيهم حكم . وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول : وإليه تردون من بعد مماتكم ، فيقضي بينكم بالعدل ، فيجازي مؤمنيكم جزاءهم ، وكفاركم ما وعدهم . [ تفسير سورة العنكبوت ] القول في تأويل قوله تعالى : ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ . . . لا يُفْتَنُونَ قال أبو جعفر : وقد بينا معنى قول الله تعالى ذكره : ألم وذكرنا أقوال أهل التأويل في تأويله والذي هو أولى بالصواب من أقوالهم عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وأما قوله : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ فإن معناه : أظن الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى المشركين إياهم ، أن نتركهم بغير اختبار ، ولا ابتلاء امتحان ، بأن قالوا : آمنا بك يا محمد ، فصدقناك فيما جئتنا به من عند الله ، كلا لنختبرهم ، ليتبين الصادق منهم من الكاذب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال : يبتلون في أنفسهم وأموالهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ أي لا يبتلون . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي هاشم ، عن مجاهد ، في قوله وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال : لا يبتلون . فأن الأولى منصوبة بحسب ، والثانية منصوبة في قول بعض أهل العربية ، بتعلق يتركوا بها ، وأن معنى الكلام على قوله أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا لأن يقولوا آمنا ؛ فلما حذفت اللام الخافضة من لأن ، نصبت على ما ذكرت . وأما على قول غيره فهي في موضع خفض بإضمار الخافض ، ولا تكاد العرب تقول : تركت فلانا أن يذهب ، فتدخل أن في الكلام ، وانما تقول : تركته يذهب ، وإنما أدخلت أن هاهنا لاكتفاء الكلام بقوله أَنْ يُتْرَكُوا إذ كان معناه : أحسب الناس أن يتركوا وهم لا يفتنون ، من أجل أن يقولوا آمنا ، فكان قوله : أَنْ يُتْرَكُوا مكتفية بوقوعها على الناس ، دون أخبارهم . وإن جعلت " أن " في قوله أَنْ يَقُولُوا منصوبة بنية